ميرزا محمد حسن الآشتياني
94
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
العنوان الواقعي فيحمل على إرادة الإذن في البعض مع جعل الاجتناب عن الآخر بدلا عن إطاعة النهي الواقعي هذا على ما أفاده من المبنى في هذا الجزء من الكتاب لإذن الشارع في ارتكاب بعض الأطراف وأمّا على ما بينا الأمر عليه تبعا لما أفاده في الجزء الأول من الكتاب فلا يجعل الصارف إلا حكم العقل بقبح الإذن في المخالفة القطعيّة كما هو ظاهر والمراد من الموصول في قوله صرف عنه بما دل ليس نفس دليل الحرام بل ما ورد في الشرع وحكم به العقل من وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي والانتهاء عنه فيرجع إلى ما ذكرنا في شرح المقام وإن كان تحريره بما عرفت أولى مما حرّره به كما لا يخفى [ تقريب الجواب عن الخبر المتقدّم ] ( قوله ) والجواب عن هذا الخبر أن ظاهره إلخ ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن حاصل ما ذكره دام ظله يرجع إلى أن الخبر وإن سلم أنه لا إطلاق له بالنسبة إلى الحج والصدقة وصلة الأقارب بجميع المال المختلط إلّا أن التصرّف في بعضه بالتصرّفات المذكورة مع حبس الباقي أيضا تصرّف في جميع المال المختلط فيلزم منه التصرّف على سبيل القطع في مال الغير المحرّم والقول بأنّ الرواية مسوقة لبيان جواز التصرّف التقلّبي لا الحبسي وإن كان هو من لوازم الأول ممّا لا يصغى إليه قطعا فعلى هذا لا وجه لمنع ظهور الرواية في جواز التصرّف في الجميع فحينئذ ننقل الكلام فيما ذكره المستدل على تقدير تسليم ظهور الرواية في جواز التصرّف في الجميع من حمله على إرادة التصرّف في البعض جمعا بينه وبين ما دلّ على عدم جواز الإذن من الشارع في المعصية ونقول إن وجه الجمع غير منحصر فيما ذكره المستدل مع استلزامه للتصرّف في ظاهر الخبر لأن هنا وجه آخر يمكن التوفيق بينهما بسببه وهو أن يحمل الحرام المجهول في الفرض على ما يعذر الجاهل فيه كالربا بناء على ما يستفاد من الروايات الكثيرة من حليّة الربا الذي أخذ جهلا ثمّ لا يعرف عينه في المال المخلوط وهذا الذي ذكرنا إن لم يكن أظهر من الوجه الذي ذكره الخصم فلا أقل من مساواته له فيسقط الرواية عن الاستدلال بها هذا ملخّص ما يستفاد من كلامه دام ظله ثم إن كلامه أخيرا وهو قوله ليس بأولى من حمل الحرام على حرام خاصّ يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون المحمول عليه نفس الربا ( ثانيهما ) أن يكون حراما آخر يعذر فيه الجاهل كما يعذر في الربا وعلى كل تقدير لا بد أن يجعل ما دل على المعذورية كاشفا عن أخذ العلم التفصيلي مأخوذا في موضوع الحرمة واقعا بمعنى أن يكون معروض الحرمة الربا المعلوم تفصيلا مثلا فما لم يعلم تفصيلا يكون حلالا واقعا فيكون إطلاق العذر حينئذ من باب التسامح كما لا يخفى وإلا فلا معنى للعمل بهذه الروايات بل لا بد من طرحها لما عرفت مرارا من تقبيح العقل الإذن من الشارع في مخالفة الحرام الذي تعلّق العلم به ولو إجمالا وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه عند دوي الأفهام المستقيمة [ في سائر ما يتوجّه على التقريب المتقدّم غير ما ذكره المصنف قده ] ( ثمّ ) إن هاهنا كلاما آخر على ما ذكره المستدل بالرواية بالتقريب المتقدّم لم يتعرّض له الأستاذ العلامة دام ظله من جهة وضوح فساده وهو أنه إذا فرض كون الرواية مخالفة بحسب ظاهرها لحكم العقل فأيّ دليل على وجوب الجمع المستلزم لطرح ظهورها فليحكم بطرحها وأنت خبير بأن هذا الكلام في غاية الضعف والسقوط ( أمّا أوّلا ) فلأنه لا يجعل طرح ظهور الرواية مانعا عن الأخذ بسندها حيث إن اعتبار الظهور متفرّع على الأخذ بالسند فلا يعقل أن يعارض أدلة الأخذ بالظهور أدلة وجوب الأخذ بالسند وهذا مع كمال وضوحه بحيث لا يكاد يخفى على جاهل فضلا عن عالم يأتي شرح القول فيه في الجزء الرابع من الكتاب والتعليقة إن شاء اللّه تعالى ( وأمّا ثانيا ) فلأن طرح الظهور إذا كان بقرينة كاشفة عن إرادة خلاف الظاهر كما هو في مفروض البحث مما لا غبار فيه وإلا لزم سدّ باب المجازات كما لا يخفى ومن هنا قد يقال بترجيح هذا الوجه من الجمع على الوجه الذي ذكره الأستاذ العلّامة من حيث استلزامه للتخصيص أو للتقييد وفي مقام دوران الأمر بينها وبين غيرهما من أقسام ارتكاب خلاف الظّاهر لا خلاف في تقديمهما لكنك خبير بفساد هذا الكلام لأن الوجه الذي ذكره الأستاذ العلامة إما لا يستلزم خلاف ظاهر أصلا بناء على عدم إطلاق في الرواية بالنسبة إلى جميع أقسام المحرّمات أو يستلزم التقييد في إطلاقها بناء على ثبوت الإطلاق فعلى الأول لا إشكال في ترجيحه وكذلك على الثاني على أحد التقديرين وعلى تقدير التسوية يسقط الرواية عن الاستدلال أيضا ( قوله ) والشبهة الغير المحصورة إلخ ( 2 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن هذا الكلام إنما هو على تقدير القول بجواز ارتكاب جميع أطراف الشبهة الغير المحصورة وإلا كما عليه الأستاذ العلامة حسبما تقف عليه فيكون حالها كحال الشبهة المحصورة إن بني على استفادة جواز ارتكاب غير الحرام فيها من الخبر ( قوله ) بل متعذّر ( 3 ) ( أقول ) الوجه فيه استلزامه لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى مع أن مفهوم واحد لا بعينه ليس فردا مع قطع النظر عن المشتبهين بل هو مفهوم منتزع عنهما فلا بدّ من حمله على الشبهة المجرّدة ونحوها مما لا يكون الحرام الواقعي فيه مما كلف به فعلا على كلّ تقدير ( قوله ) ومن ذلك يعلم حال ما ورد في الربا إلخ ( 4 ) ( أقول ) ومنه يعلم فساد تمسّك بعض من قارب عصرنا بما ورد في الربا على جواز ارتكاب غير مقدار الحرام في الشبهة المحصورة ( قوله ) وهي وجوب دفع الضرر المقطوع به ( 5 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن مرجع الضمير المؤنث هي القاعدة العقليّة والمراد بنشوئها عما دلّ على تحريم العنوان الواقعي الموجود بالفرض بين المشتبهين صيرورته سببا لتحقق متعلّق حكمه وهذا مما لا إشكال فيه وإنما الإشكال فيما ذكره دام ظله من قوله المتوقفة على الاجتناب عن كلا المشتبهين حيث إنّ المتوقّف على الاجتناب عن كلا المشتبهين ليس نفس وجوب الدفع ووجوب الإطاعة ولا نفس الدفع والإطاعة الواقعيين بل المتوقف عليه العلم بحصول متعلّق الوجوبين كما لا يخفى وهذا هو المراد قطعا لكنه دام ظلّه قد تسامح في التعبير عنه ( نعم ) يمكن أن يقال إن تحقّق نفس الإطاعة موقوف على الإتيان بجميع المحتملات لكن هذا يتم فيما يعتبر في تحققه الإطاعة كالواجب والحرام التعبّديّين وأما في التوصّلي فلا هذا مع أن المدرك في وجوب الاحتياط هو حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل لا ما ذكره دام ظله ودفع الضرر المحتمل بنفسه موقوف على الاجتناب عن الجميع كما لا يخفى ثم إنه لا يخفى عليك أن عدم جواز الخروج عن القاعدة العقليّة بهذه الأخبار ليس من جهة